غالي الأثمان
19 / 12 / 2008, 07 : 06 PM
الإسلام دين واقعي، يتعامل مع الإنسان كله: جسمه وروحه، وعقله ووجدانه، ويطالبه أن يغذي أركانه جميعا، بما يشبع حاجتها، في حدود الاعتدال، الذي هو صفة "عباد الرحمن": (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) "الفرقان:67"، وليس هذا خلقهم في أمر المال فقط، بل هو خلق أساسي عام في كل الأمور، هو المنهج الوسط للأمة الوسط. وإذا كانت الرياضة تغذي الجسم، والعبادة تغذي الروح، والعلم يغذي العقل، فإن الفن يغذي الوجدان.
ونريد بالفن: النوع الراقي الذي يسمو بالإنسان، لا الذي يهبط به.
المنفعة والجمال في الكون
وإذا كانت روح الفن هي الإحساس بالجمال وتذوقه، فهذا ما عني القرآن بالتنبيه إليه وتأكيده في أكثر من موضع. فهو يلفت النظر بقوة إلى عنصر "الحسن" أو "الجمال" الذي أودعه الله في كل ما خلق، إلى جوار عنصر "النفع" أو "الفائدة" فيها.
كما أنه شرع للإنسان الاستمتاع بالجمال أو "الزينة" مع المنفعة أيضا. يقول الله تعالى في معرض الامتنان بالأنعام: (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون) "النحل:5"، وفي هذا تنبيه على جانب المنفعة والفائدة، ثم يقول: (ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون) "النحل:6"، فهذا تنبيه على جانب الجمال، حيث يلفتنا إلى هذه اللوحة الربانية الرائعة، التي لم ترسمها يد فنان مخلوق، بل رسمتها يد الخالق سبحانه.
وفي نفس السياق يقول سبحانه: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون) "النحل: 8"، فالركوب يحقق منفعة مادية مؤكدة، أما الزينة فهي متعة جمالية فنية، بها يتحقق كمال الوفاء بحاجات الإنسان، كل الإنسان.
وفي هذا السياق من نفس السورة امتن الله تعالى بتسخير البحر فقال: (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) "النحل:14"، فلم يقصر فائدة البحر على العنصر المادي المتمثل في اللحم الطري الذي يؤكل فينتفع به الجسم، بل ضم إليه الحلية التي تلبس للزينة فتستمتع بها العين والنفس.
وهذا التوجيه القرآني تكرر في أكثر من مجال، ومن ذلك: مجال النبات والزرع والنخيل والأعناب والزيتون والرمان المتشابه وغير متشابه، يقول تعالى في سورة الأنعام: (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا) "الأنعام:141".
وفي موضع آخر من نفس السورة يقول بعد ذكر الزرع وجنات النخيل والعنب: (انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون) "الأنعام:99".
فكما أن الجسم في حاجة إلى الثمر كذلك الوجدان في حاجة إلى الاستمتاع بالنظر إلى هذا الثمر إذا أثمر وينعه. وبهذا يرتفع الإنسان عن أن يكون همه الأول أو الأوحد هو هم البطن.
ومثل ذلك قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) "الأعراف:31"، (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) "الأعراف:32"، فأخذ الزينة لحاجة الوجدان، والأكل والشرب لحاجة الجثمان، وكلاهما مطلوب.
وكذلك نجد الاستفهام الإنكاري في الآية الثانية الذي ينصب على أمرين تحريم "الطيبات من الرزق" و "زينة الله" يجسد عنصر الجمال الذي هيأه الله لعباده، بجوار عنصر "المنفعة" الذي يتمثل في "الطيبات من الرزق".. وتأمل إضافة كلمة "زينة" إلى لفظ الجلالة (زينة الله)، ففيها تشريف لهذه الزينة وتنويه بها.
وفي هذا السياق جاء قبل هاتين الآيتين قوله تعالى في شأن اللباس: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير) "الأعراف:26"، فقد جعلت الآية اللباس -الذي امتن الله تعالى بإنزاله- أنواعا، وإن شئت قلت: جعلت له مقاصد ومهمات، مقصد "الستر" المعبر عنه بقوله: (يواري سوءاتكم)، ومقصد "التجمل والزينة" المعبر عنه بقوله: (وريشا)، ومقصد "الوقاية" من الحر والبرد المعبر عنه بقوله: (ولباس التقوى).
المؤمن وعناصر الجمال
إن المتجول في رياض القرآن يرى بوضوح أنه يريد أن يغرس في عقل كل مؤمن وقلبه الشعور بالجمال المبثوث في أجزاء الكون من فوقه ومن تحته ومن حوله، في السماء والأرض والنبات والحيوان والإنسان.
في جمال السماء يقرأ قوله تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج) "ق:6"، (ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين) "الحجر:16".
وفي جمال الأرض ونباتها يقرأ: (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) "ق:7"، (وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة) "النمل:60".
وفي جمال الإنسان يقرأ: (وصوركم فأحسن صوركم) "التغابن:3"، (الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك) "الانفطار:7-8".
وفي جمال الحيوان يقرأ ما ذكرناه قبل عن الأنعام: (ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون) "النحل:6".
إن المؤمن يرى يد الله المبدعة في كل ما يشاهده في هذا الكون البديع، ويبصر جمال الله في جمال ما خلق وصور، يرى فيه (صنع الله الذي أتقن كل شيء ) "النمل:88"، (الذي أحسن كل شيء خلقه) "السجدة:7".
وبهذا يحب المؤمن الجمال في كل مظاهر الوجود من حوله؛ لأنه أثر جمال الله جل وعلا، وهو يحب الجمال كذلك لأن «الجميل» اسم من أسمائه تعالى الحسنى وصفة من صفاته العلا، وهو يحب الجمال أيضا لأن ربه جميل يحب الجمال.
مما استفدت منه ...
ونريد بالفن: النوع الراقي الذي يسمو بالإنسان، لا الذي يهبط به.
المنفعة والجمال في الكون
وإذا كانت روح الفن هي الإحساس بالجمال وتذوقه، فهذا ما عني القرآن بالتنبيه إليه وتأكيده في أكثر من موضع. فهو يلفت النظر بقوة إلى عنصر "الحسن" أو "الجمال" الذي أودعه الله في كل ما خلق، إلى جوار عنصر "النفع" أو "الفائدة" فيها.
كما أنه شرع للإنسان الاستمتاع بالجمال أو "الزينة" مع المنفعة أيضا. يقول الله تعالى في معرض الامتنان بالأنعام: (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون) "النحل:5"، وفي هذا تنبيه على جانب المنفعة والفائدة، ثم يقول: (ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون) "النحل:6"، فهذا تنبيه على جانب الجمال، حيث يلفتنا إلى هذه اللوحة الربانية الرائعة، التي لم ترسمها يد فنان مخلوق، بل رسمتها يد الخالق سبحانه.
وفي نفس السياق يقول سبحانه: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون) "النحل: 8"، فالركوب يحقق منفعة مادية مؤكدة، أما الزينة فهي متعة جمالية فنية، بها يتحقق كمال الوفاء بحاجات الإنسان، كل الإنسان.
وفي هذا السياق من نفس السورة امتن الله تعالى بتسخير البحر فقال: (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) "النحل:14"، فلم يقصر فائدة البحر على العنصر المادي المتمثل في اللحم الطري الذي يؤكل فينتفع به الجسم، بل ضم إليه الحلية التي تلبس للزينة فتستمتع بها العين والنفس.
وهذا التوجيه القرآني تكرر في أكثر من مجال، ومن ذلك: مجال النبات والزرع والنخيل والأعناب والزيتون والرمان المتشابه وغير متشابه، يقول تعالى في سورة الأنعام: (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا) "الأنعام:141".
وفي موضع آخر من نفس السورة يقول بعد ذكر الزرع وجنات النخيل والعنب: (انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون) "الأنعام:99".
فكما أن الجسم في حاجة إلى الثمر كذلك الوجدان في حاجة إلى الاستمتاع بالنظر إلى هذا الثمر إذا أثمر وينعه. وبهذا يرتفع الإنسان عن أن يكون همه الأول أو الأوحد هو هم البطن.
ومثل ذلك قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) "الأعراف:31"، (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) "الأعراف:32"، فأخذ الزينة لحاجة الوجدان، والأكل والشرب لحاجة الجثمان، وكلاهما مطلوب.
وكذلك نجد الاستفهام الإنكاري في الآية الثانية الذي ينصب على أمرين تحريم "الطيبات من الرزق" و "زينة الله" يجسد عنصر الجمال الذي هيأه الله لعباده، بجوار عنصر "المنفعة" الذي يتمثل في "الطيبات من الرزق".. وتأمل إضافة كلمة "زينة" إلى لفظ الجلالة (زينة الله)، ففيها تشريف لهذه الزينة وتنويه بها.
وفي هذا السياق جاء قبل هاتين الآيتين قوله تعالى في شأن اللباس: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير) "الأعراف:26"، فقد جعلت الآية اللباس -الذي امتن الله تعالى بإنزاله- أنواعا، وإن شئت قلت: جعلت له مقاصد ومهمات، مقصد "الستر" المعبر عنه بقوله: (يواري سوءاتكم)، ومقصد "التجمل والزينة" المعبر عنه بقوله: (وريشا)، ومقصد "الوقاية" من الحر والبرد المعبر عنه بقوله: (ولباس التقوى).
المؤمن وعناصر الجمال
إن المتجول في رياض القرآن يرى بوضوح أنه يريد أن يغرس في عقل كل مؤمن وقلبه الشعور بالجمال المبثوث في أجزاء الكون من فوقه ومن تحته ومن حوله، في السماء والأرض والنبات والحيوان والإنسان.
في جمال السماء يقرأ قوله تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج) "ق:6"، (ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين) "الحجر:16".
وفي جمال الأرض ونباتها يقرأ: (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) "ق:7"، (وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة) "النمل:60".
وفي جمال الإنسان يقرأ: (وصوركم فأحسن صوركم) "التغابن:3"، (الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك) "الانفطار:7-8".
وفي جمال الحيوان يقرأ ما ذكرناه قبل عن الأنعام: (ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون) "النحل:6".
إن المؤمن يرى يد الله المبدعة في كل ما يشاهده في هذا الكون البديع، ويبصر جمال الله في جمال ما خلق وصور، يرى فيه (صنع الله الذي أتقن كل شيء ) "النمل:88"، (الذي أحسن كل شيء خلقه) "السجدة:7".
وبهذا يحب المؤمن الجمال في كل مظاهر الوجود من حوله؛ لأنه أثر جمال الله جل وعلا، وهو يحب الجمال كذلك لأن «الجميل» اسم من أسمائه تعالى الحسنى وصفة من صفاته العلا، وهو يحب الجمال أيضا لأن ربه جميل يحب الجمال.
مما استفدت منه ...