محمد هادي القوزي
08 / 03 / 2009, 27 : 07 PM
عندما
كل الأمنيات التي مرت بنا وشعرنا بها ما تزال منقوشة بالذاكرة ، مرت بمراحل الطفولة وكبرت معنا برغم ما حدث لها من تشوهات وقمع وتغيرات إجبارية نحو سماء أرحب مليئة بدخان العدم .. حين يستجوبنا الزمن عن أمنية العمر، أعتقد أن الكلمات سوف تتحطم فوق شفاهنا ولن يبقى في مخيلتنا سوى رماد .. رماد مفردات نحاول أن نـغـطي به الخدوش التي تعرضنا لها ، والجروح التي تفاقمت واتسعت مع مساحة الحزن الساكن فينا . إن الفقر المستوطن في خيالنا والجفاف المسيطر على أحاسيسنا كل تلك السنين والذي بدوره تسبـّب في القضاء على لون الأحلام وطعم الأيام ونـقاء الحياة فمرت كل الأشياء بلا شكل . نحن نـقف على أرض سراب ، لذا كثيرًا ما نهرب بتفاصيلنا الصغرى وأسرارنا وأغانـينا إلى حجرة النوم ، نهرب إلى كتابة الخواطر والقصائد إلى شيء أكبر لا يحتمل الضوء ، لكننا نرغب أن نمارسه في يوم خليّ .. إننا نستيقظ كل يوم على زجاج مكسور تحت أجفانـنا وأقدام مبللة بالركض تغطي الدروب فلا أمنية نشدو بها ولا حلم نبقيه دافئًا بين أضلعنا ، فيا ليتنا نعود .. نرجع .. ونرد إلى الطفولة ولو كبارًا .. يا ليتنا نـنسى كل وحل نزلناه في الشباب ؛ حتى نبقى كأفراخ الحمام براءة ونـقاء !!
إن ليالي الشتاء الباردة تهاجمنا كذئب مفترس جائع يشم فينا رائحة الخوف والتعب والهزيمة والعويل المختبىء بين غابات الضلوع ولم يترك لنا هدأة للخروج من هذا الحصار القاتل الذي يقبع في أجزائنا مذ وصلنا إلى الدنيا .. فهل يا ترى بعد كل هذا نصبح ذات يوم أثرياء القلب لنحيا في الحياة ونتلاقى في منازل اللقاء .. وكيف سنشعر بالدنيا من حولنا بعد التجارب المريرة التي ما زال طعمها عالقًا ؟! وددت أن أختار كوكبًا ودفترًا وقلمًا ؛ لأمارس الفراغ من التفكير .. لأستخلص الحزن من الحزن .. وأقتل الملل !!
تتكاثر الرغبات التي تحيط بشؤون حياتنا كالنهم في أعينـنا ؛ فتؤجل الراحة وتشتري لنا القلق حتى نـصير كموجة تسبح لا تدري عن مسارها ولا تعرف طريقًا للوصول .. وبهذا نتخبط في معرفة رغباتنا وفي فهم القضايا والمشكلات التي تتعلق بالعقول ومسائل الوجدان ، فلماذا لا ندفع بأنفسنا إلى شيء من العزلة ؟! لنكتشف معنى أن الأنس بالناس من علامة الإفلاس .. لنكتشف أنفسنا أكثر من أي وقت مضى ، فالبقاء على وتيرة واحدة في إجازاتنا وفي شغلنا يعني: أن الحياة خدر ورتابة تسري في أجسادنا كوخز يدب في مساماتنا .. أو كالنمش يطير في كل مكان ولا يعلق إلا بنا وبثيابنا وكل ما له علاقة بنا .. إنه شيء خلف الضحك على مسرحية يؤديها " إمام " .. إنه خلف شجن فسيح يحمله صوت جغرافي " كأم كلثوم " إنه خلف الحزن الذي يأتي بعد خبر مفجع يـفجر نياط القلب أو موت شخص اغتال شفاهنا فـتـرك لنا ذكرى نبكيها الدهر كله .. ولا يتركنا إلا وقد أصبحنا مللاً يحوم فوقه الفراغ أو نسقط في الزمن الدائري أو يتربص بنا الموت لتزداد الفاجعة .. فلا نجد أحدًا يبكينا أو يذكرنا !!
نحن فقدنا السيطرة على الأشياء التي مرت بنا .. تمامًا كالرمل يمرق بين أصابعنا .. حتى جسور الوصل والحب ومراكب الوقت والأصدقاء والخواطر والأمنيات .. سقـطت في ضياع وغربة .. فكلما نـقلّب دفاترنا اليومية أو نشاهد مقطـعًا من صورنا القديمة في مجمع الذكريات نجد خطًا فاصلاً لا نستطيع أن نـتـجاوزه أو نـقـترب منه .. لنكتشف فيما بعد أنه " الفرح " لكـنّـا لا نعترف به .. لا لشيء سوى أنه غريب أراد أن يعتري أجسادنا ويعترينا .. هناك فوق الأرض تلك الوردة التي تملأ الحياة زخمًا .. وتعطي الربيع إذنًا بالدخول علينا .. وتمنح العصافير فرصة للغناء في أجوائنا .. وتضيء في القلوب وهجًا لا يمكن تفسيره .. شيء أشبه بسراج في ليل موحش .. فإذ بها تفارق ألقها وابتسامها ؛ لنهديها نواحًا يبعثرها ويسكب عطرها ويكسر قلمها ويخنق برعمها ونسكنها خزفًا يبلعها غرقًا وجمودًا لا حياة فيه عندما تـقطف . وهناك في جزء من الأرض بمـعطفه الأزرق ينام دونما خوف نـثق به كثيرًا ونصدقه ونسمع قصصه بكل لهفة واشتياق .. نذهب إليه خلسة لكيلا يشعر بأمرنا أحد .. نذهب إليه لنعرف مصير الحب والصبر المتبقي في صدورنا .. نـفرّ إليه لنسافر عن المدن والضجيج والسهر لكي نبدأ في صمت بكفينا لساعات نجلس قيها لرؤية الشمس والأسماك و النوارس والأشرعة وهي تغسل القبح المستوطن فينا وتهطل أنجمًا بيضاء تمحي همومنا بدفء الغروب .. فكأنها بذاك تستخرج لنا جواز سفر للعودة إلى الحياة .. إلى الطفولة .. وربما ... إلى الله أشعر بذلك عندما أذهب إلى البحر .
محمد هادي محمد القوزي
كل الأمنيات التي مرت بنا وشعرنا بها ما تزال منقوشة بالذاكرة ، مرت بمراحل الطفولة وكبرت معنا برغم ما حدث لها من تشوهات وقمع وتغيرات إجبارية نحو سماء أرحب مليئة بدخان العدم .. حين يستجوبنا الزمن عن أمنية العمر، أعتقد أن الكلمات سوف تتحطم فوق شفاهنا ولن يبقى في مخيلتنا سوى رماد .. رماد مفردات نحاول أن نـغـطي به الخدوش التي تعرضنا لها ، والجروح التي تفاقمت واتسعت مع مساحة الحزن الساكن فينا . إن الفقر المستوطن في خيالنا والجفاف المسيطر على أحاسيسنا كل تلك السنين والذي بدوره تسبـّب في القضاء على لون الأحلام وطعم الأيام ونـقاء الحياة فمرت كل الأشياء بلا شكل . نحن نـقف على أرض سراب ، لذا كثيرًا ما نهرب بتفاصيلنا الصغرى وأسرارنا وأغانـينا إلى حجرة النوم ، نهرب إلى كتابة الخواطر والقصائد إلى شيء أكبر لا يحتمل الضوء ، لكننا نرغب أن نمارسه في يوم خليّ .. إننا نستيقظ كل يوم على زجاج مكسور تحت أجفانـنا وأقدام مبللة بالركض تغطي الدروب فلا أمنية نشدو بها ولا حلم نبقيه دافئًا بين أضلعنا ، فيا ليتنا نعود .. نرجع .. ونرد إلى الطفولة ولو كبارًا .. يا ليتنا نـنسى كل وحل نزلناه في الشباب ؛ حتى نبقى كأفراخ الحمام براءة ونـقاء !!
إن ليالي الشتاء الباردة تهاجمنا كذئب مفترس جائع يشم فينا رائحة الخوف والتعب والهزيمة والعويل المختبىء بين غابات الضلوع ولم يترك لنا هدأة للخروج من هذا الحصار القاتل الذي يقبع في أجزائنا مذ وصلنا إلى الدنيا .. فهل يا ترى بعد كل هذا نصبح ذات يوم أثرياء القلب لنحيا في الحياة ونتلاقى في منازل اللقاء .. وكيف سنشعر بالدنيا من حولنا بعد التجارب المريرة التي ما زال طعمها عالقًا ؟! وددت أن أختار كوكبًا ودفترًا وقلمًا ؛ لأمارس الفراغ من التفكير .. لأستخلص الحزن من الحزن .. وأقتل الملل !!
تتكاثر الرغبات التي تحيط بشؤون حياتنا كالنهم في أعينـنا ؛ فتؤجل الراحة وتشتري لنا القلق حتى نـصير كموجة تسبح لا تدري عن مسارها ولا تعرف طريقًا للوصول .. وبهذا نتخبط في معرفة رغباتنا وفي فهم القضايا والمشكلات التي تتعلق بالعقول ومسائل الوجدان ، فلماذا لا ندفع بأنفسنا إلى شيء من العزلة ؟! لنكتشف معنى أن الأنس بالناس من علامة الإفلاس .. لنكتشف أنفسنا أكثر من أي وقت مضى ، فالبقاء على وتيرة واحدة في إجازاتنا وفي شغلنا يعني: أن الحياة خدر ورتابة تسري في أجسادنا كوخز يدب في مساماتنا .. أو كالنمش يطير في كل مكان ولا يعلق إلا بنا وبثيابنا وكل ما له علاقة بنا .. إنه شيء خلف الضحك على مسرحية يؤديها " إمام " .. إنه خلف شجن فسيح يحمله صوت جغرافي " كأم كلثوم " إنه خلف الحزن الذي يأتي بعد خبر مفجع يـفجر نياط القلب أو موت شخص اغتال شفاهنا فـتـرك لنا ذكرى نبكيها الدهر كله .. ولا يتركنا إلا وقد أصبحنا مللاً يحوم فوقه الفراغ أو نسقط في الزمن الدائري أو يتربص بنا الموت لتزداد الفاجعة .. فلا نجد أحدًا يبكينا أو يذكرنا !!
نحن فقدنا السيطرة على الأشياء التي مرت بنا .. تمامًا كالرمل يمرق بين أصابعنا .. حتى جسور الوصل والحب ومراكب الوقت والأصدقاء والخواطر والأمنيات .. سقـطت في ضياع وغربة .. فكلما نـقلّب دفاترنا اليومية أو نشاهد مقطـعًا من صورنا القديمة في مجمع الذكريات نجد خطًا فاصلاً لا نستطيع أن نـتـجاوزه أو نـقـترب منه .. لنكتشف فيما بعد أنه " الفرح " لكـنّـا لا نعترف به .. لا لشيء سوى أنه غريب أراد أن يعتري أجسادنا ويعترينا .. هناك فوق الأرض تلك الوردة التي تملأ الحياة زخمًا .. وتعطي الربيع إذنًا بالدخول علينا .. وتمنح العصافير فرصة للغناء في أجوائنا .. وتضيء في القلوب وهجًا لا يمكن تفسيره .. شيء أشبه بسراج في ليل موحش .. فإذ بها تفارق ألقها وابتسامها ؛ لنهديها نواحًا يبعثرها ويسكب عطرها ويكسر قلمها ويخنق برعمها ونسكنها خزفًا يبلعها غرقًا وجمودًا لا حياة فيه عندما تـقطف . وهناك في جزء من الأرض بمـعطفه الأزرق ينام دونما خوف نـثق به كثيرًا ونصدقه ونسمع قصصه بكل لهفة واشتياق .. نذهب إليه خلسة لكيلا يشعر بأمرنا أحد .. نذهب إليه لنعرف مصير الحب والصبر المتبقي في صدورنا .. نـفرّ إليه لنسافر عن المدن والضجيج والسهر لكي نبدأ في صمت بكفينا لساعات نجلس قيها لرؤية الشمس والأسماك و النوارس والأشرعة وهي تغسل القبح المستوطن فينا وتهطل أنجمًا بيضاء تمحي همومنا بدفء الغروب .. فكأنها بذاك تستخرج لنا جواز سفر للعودة إلى الحياة .. إلى الطفولة .. وربما ... إلى الله أشعر بذلك عندما أذهب إلى البحر .
محمد هادي محمد القوزي